فوزي آل سيف
93
معارف قرآنية
نتناول في هذا الموضوع بعض الأحكام التي نرتبط بالقرآن الكريم ، انطلاقا من هذه الآيات في سورة الواقعة وهي من السور التي ورد الحثّ على قراءتها كثيرًا[160]، وندب إلى حفظها، حيث يستشعر الإنسان تلك المعاني التي وردت فيها لا سيما مشاهد يوم القيامة وما بعدها من نعيم الجنة و من مشاهد السوق إلى النار ، وقضايا المحشر والبعث وغير ذلك . هذه السورة العظيمة تنقل الإنسان من غفلته عن ذلك العالم وانشغاله بأمور الدنيا لتفتح له نافذة على ذلك العالم، الذي سيصير إليه، حتى يتفكّر الإنسان في ذلك المصير ؛ ذلك لأنّ نسبة التفكير في عالم ما بعد الحياة الدنيا بالنسبة لنا، هي أقل بكثير مما يستحق ، فلوكنا نعيش في هذه الحياة الدنيا مثلاً ثمانين سنة أو تسعين سنة ومع ذلك فإنّنا كل يوم جلّ همنا في الكسب والعمل والدراسة واللباس والبيت والزوجة والأبناء ، وهذه القضايا تستوعب تفكيرنا ، مع أنّ مدّة الحياة التي سنعيش فيها في هذه الدنيا، هي بهذا المقدار القليل بينما في ذلك العالم الآخر ستكون الحياة خالدة لملايين السنين ومع ذلك قد لا نفكّر في ذلك العمر بمقدار واحد في المئة نسبة إلى مقداره . تأتي سورة الواقعة لتنقل الإنسان إلى التفكير في ذلك العالم الآخر و إلى المستقبل الممتد ، الذي ينتظر الإنسان فمن المناسب أن يكثر الإنسان من قراءة سورة الواقعة ، و من المناسب إذا استطاع أن يحفظها، أو أن يحفظ بعضها، بل ويتأمّل ويتدبّر معانيها ويتفكّر في تلك الصور التي تقدّمها عن ذلك العالم. يقول الله تعالى عن القرآن الكريم في هذه السورة (إنه لقرآن كريم. في كتاب مكنون) أولّ ما يلفت النظر هنا أنّ الله سبحانه قد وصف القرآن الكريم بأنه كريم ، كلمة ( كريم ) في اللغة العربية لها معنى ينشق إلى شعبتين: 1/ المعنى الأول/ كرم الذات أي أن يكون الشيء ذا قيمة عالية ، أن يكون كريمًا بمعنى جامعًا للصفات المطلوبة . 2/ المعنى الثاني / يرتبط بالصفات ، أي كرم الصفات. قد تأتي إلى حجر من الأحجار تقول له بأنّه من الأحجار الكريمة ، ماذا يعني أنّه من الأحجار الكريمة؟ أي أنّ حجمه بمقدار عقدة الأصبع لكنه يساوي ألف ريال أو ألفي ريال، وقد تشتري شاحنة وزنها أربعة أطنان فيها من الحجر العادي لكنّ ثمنه ثلاثمئة ريال ، فما الفرق بين هذين النوعين من الحجر ، إنّ الحجر الكريم كريم بذاته له قيمة في ذاته وله خاصية تجعله حجرًا كريمًا ، هذا بالنسبة إلى كرم الذات. بينما كرم الصفات قد تقول عن إنسان بأنّه كريم ، فهو تارة كريم لكرامة في نفسه لا يجعل نفسه في ذلة ، لا يتناول الأشياء التي تهين شخصه، بل يكرم نفسه عن أن يوصلها إلى مواقع الهوان ، لا يسلم نفسه لشهوة ، ولا لطاغية يفرض عليه شيئًا ، ورد من صفات الإمام الحسين عليه السلام أنّه ( كريم أبى شم الدنية أنفه) لا يشمّ رائحة الدنية والخضوع.
--> 160 ) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "من قراء في كلِّ ليلة جمعة الواقعة أحبَّه الله وأحبَّه إلى الناس أجمعين، ولم يرَ في الدُّنيا بؤساً أبداً ولا فقراً ولا فاقةً ولا آفةً من آفات الدنيا، وكان من رفقاء أمير المؤمنين عليه السلام " بحار الأنوار 89/ 307